رؤى مستقبلية في المشروع الوطني الأمازيغي الشمال افريقي




لم تكن الأمازيغية مجرد هوية قومية لجماعة من البشر يتحدثون بلغة واحدة، ويستظلون بعقيدة واحدة، ويعيشون على ارض واحدة. ويواجهون التحديات نفسها ويقاومون الأعداء ذاتهم، وتجمعهم مشاعر ومصائر ومصالح مشتركة، بل ان الأمازيغية هي كذلك دعوة تنطوي على مشروع للنهوض بكل ما يعنيه النهوض لأمة كالأمة الأمازيغية في شمال افريقيا من وحدة تتجاوز حال التجزئة والتقسيم، ومن استقلال يعيد الهوية الامازيغية للأرض، ومن ديمقراطية تقاوم الاستبداد والفساد والتمييز، ومن تنمية تعالج مشكلات التخلف والفقر والجهل، ومن تجدد حضاري تضرب جذوره في عمق التراث الروحي والحضاري للأمة وتورق أغصانه في جنان العصر وعطاءاته في كل مجال. مشروع النهوض الذي تنطوي عليه الأمازيغية هذا هو المشروع القومي الأمازيغي الذي يطمح إلى ترجمة الرابطة القومية التي تجمع أبناء الأمة إلى كيان سياسي وثقافي واقتصادي ودفاعي وتربوي واجتماعي ناهض جامع سواء كان هذا الكيان اتحادياً أو كونفدرالياً أو على الطريق نحوهما. ولا بد لمجموعة مثقفي الأمة ومناضليها العمل مع بعض على تسمية هذا المشروع بالمشروع النهضوي التحرري الأمازيغي تأكيدا على ثلاثة أمور معاً، أولها الطابع النهضوي التحرري للمشروع القومي لكي لا يُسجن في الخطاب الماضوي المغلق، وثانيها الطابع الجامع لهذا المشروع بحيث لا يبقى محصوراً بتيارات قطرية كلاسيكية بل لكي يصبح ملكاً للأمة كلها بكل تياراتها ومشاربها، وثالثها الطابع المرن للمشروع بحيث يكون خاضعاً للمراجعة والتطوير في كل حين ولا يتحول إلى نص مقدس لا يمكن التعديل فيه أو مناقشته. ولقد نجح هذا المشروع أن يجذب بعناوينه العريضة المئات من أهل الفكر والرأي والنضال في الأمة إلى التحاور والتشاور في حال أمتهم في ضوء هذا المشروع سواء في مؤتمر قومي امازيغي أو في أطر أخرى تتسع لتشمل تيارات الأمة كلها.أيها الأمازيغيات والأمازيغيين إن مستقبلية المشروع القومي الأمازيغي مرهونة بتوفر شروط موضوعية تهيئ التربة الصالحة لانطلاقه، وشروط ذاتية ترعى هذه الانطلاقة وتصونها وتطورها وتقودها بالاتجاه الصحيح. فهل الشروط الموضوعية متوفرة لإحياء هذا المشروع رغم كل ما يطفو على سطح الواقع في امتنا الأمازيغية من تعقيدات وصعوبات وعقبات لخصناها دوما بمعادلة “الاحتلال الخارجي والاختلال الداخلي”. ثم ما هي الشروط الذاتية الواجب توفرها لكي ينطلق هذا المشروع وينتصر؟! الشروط الموضوعية إن أي مراقب للواقع الأمازيغي الشمال افريقي الراهن، بكل سلبياته وثغراته، لا يستطيع إلا أن يسجل جملة ملاحظات هامة تتصل بالإمكانيات الموضوعية المتوفرة للمشروع القومي الأمازيغي على غير مستوى، وفي غير مجال: أولاً: اتضاح مأزق المشاريع القطرية والعنصرية والاستبدادية والجهوية، التي ازدهر منطقها مع تراجع حلم المشروع القومي الوحدوي لشمال افريقيا خلال الخمسين عاماً الماضية، وانكشاف عجزها عن تقديم أي حلول للمشكلات التي يواجهها الإنسان الأمازيغي. فالدولة القطرية المنعزلة عن تكامل قومي أمازيغي شمال افريقي لم تستطع أن توفر لمواطنيها أمناً حقيقياً، سواء على المستوى القومي أو الوطني، فيما الاحتلال جاثم على الأرض والإرادة معاً، وانتهاك السيادة والاستقلال يأخذ ألف مظهر ومظهر لعل أبرزها هو الإذعان الرسمي للاملاءات الخارجية. والدولة القطرية البعيدة عن التواصل الأمازيغي الشمال افريقي، غنية كانت ام فقيرة، لم توفر لشعوبها الحد الأدنى الناجح في تنمية اقتصادية واجتماعية تعالج مشكلات التخّلف والأمية والفقر والبطالة والهجرة والفساد الضارب في الجذور. والدولة القطرية المحرومة من عمقها الاستراتيجي ومن دورها القومي الأمازيغي الشمال افريقي، لم تستطع أن تصوغ علاقات سليمة داخل مجتمعاتها، فعم الاستبداد، وتفشت العصبيات المتخلفة، وتحولت المجتمعات إلى ساحات تطاحن بعضها معلن وبعض كامن كالنار تحت الرماد. إن المنطق القطري المعزول يترنح اليوم تحت وطأة العجز المتفاقم لأنظمته، وتحت وطأة الاستباحة المتواصلة لأمن دوله وسيادتها واستقلالها، وبالتالي تنفتح الآفاق واسعة أمام عودة الاعتبار للمنطق القومي الجامع والمشروع القومي الأمازيغي الشمال افريقي المتجاوز لكل العصبيات المريضة التي تدفع بها لوبيات الاحتكار السياسي والاقتصادي من الداخل ولوبيات الامبريالية من الخارج. ثانياً: نمو الاتجاه العالمي نحو التكتلات الكبرى والتكامل الإقليمي والقاري وهو ما يجعل من الدعوة الأمازيغية الشمال افريقية إلى التكامل أو الوحدة، وهي جوهر المشروع القومي الأمازيغي، دعوة منسجمة مع روح العصر ومع القانون العالمي السائد حيث لا مكان في عالم اليوم إلا للتكتلات الكبرى. ثالثاً: تزايد الادراك الشعبي والثقافي والسياسي لدى أبناء الأمة الأمازيغية بمخاطر التصادم بين انتماءات متعددة للمواطن الأمازيغي الشمال افريقي الذي له اسمه وعائلته ومنطقته ووطنه ومذهبه ودينه وأمته وانتماؤه الإنساني الواسع، خصوصاً في ظل الاستباحة المتوحشة لدماء عشرات الالاف من ابناء الامة تحت ذرائع عدة ،وأن وضع إحدى دوائر الانتماء الوطني أو القومي أو الديني أو الإنساني بوجه الأخرى هو محاولة حثيثة لإضعاف الأمة الأمازيغية ناهيك عما تتضمنه هذه المحاولة من لوي للحقائق، وهذا ما بتنا نراه في غير ساحة أمازيغية شمال افريقية تواجه اوسع حملات التضليل والتحريض البغيضين ضدها. فالطريق لمواجهة هذا التحريض يبقى في الوعي القومي الأمازيغي والبحث عن مشروع قومي يوحد الأمة وأقطارها ويحييها. ويصيغ تكاملاً خلاقاً بين دوائر الانتماء المتعددة للإنسان الأمازيغي الشمال افريقي. رابعاً: اشتداد المخاطر التي تهدد الأمة الامازيغية في وجودها واستقلالها وهويتها وعقيدتها والتي تهدد الإنسان الأمازيغي في أمنه ورزقه ومستقبل أبنائه، ناهيك عن تدخل مباشر في الشؤون الداخلية لكل قطر من أقطار الأمة الأمازيغية الشمال افريقية. إن وحدة الوعي بهذه المخاطر تقود مع الوقت إلى وحدة النضال لمواجهتها والى وحدة المقاومة للتغلب عليها. خامساً: اتساع نطاق الحراك الشعبي الأمازيغي، ولو بمستويات متفاوتة، لمواجهة التحديات الرئيسية التي تواجه الأمة الأمازيغية لاسيّما التحديات الاستعمارية شرقا وغربا والتي تتلاقى الأمة حول خيار مقاومتها على مستوى الأمة كلها، ان عملاً كبيرا على المستويات الفكرية والتنظيمية، وتضحيات ضخمة على المستويات العملية والنضالية، تنتظر أصحاب المشروع القومي الأمازيغي الشمال افريقي من اجل توفير هذه الشروط ليصبح بالفعل مشروعاً قابل للتنفيذ مستقبلياً ،من ذلك :
اعتبار المشروع القومي الأمازيغي مشروعاً للأمة بأسرها، بل مشروعا تسهم الأمة الأمازيغية الشمال افريقية من خلاله في تأدية رسالتها الإنسانية، وبالتالي رفض حصره بجهة معينة بل السعي لكي يتلاقى الجميع حوله ويبنوا من خلاله اطر تواصلهم وتضامنهم وتفاعلهم. من هنا تبرز أهمية استعمال مصطلح المشروع التحرري الأمازيغي، كمصطلح يحرر المشروع القومي الأمازيغي من أي التباسات تعيق التفاف كل تيارات الأمة حوله، ويؤكد على الطابع التحرري الجامع للحركة القومية الأمازيغية. وهكذا فان المشروع التحرري الأمازيغي ينقل العمل الثقافي والحقوقي الأمازيغي عموماً من الاصطفافات الأيديولوجية وراء التعريبيين والتغريبيين إلى رحاب البرامج العملية الأمازيغية المستقلة الجامعة التي يحددها المشروع، كما ينزل الخطاب الأمازيغي من علياء الشعارات الملتبسة والمثيرة للصراعات إلى أرضية المشاريع التفصيلية المحددة.
التأكيد على إن احد ابرز سمات المشروع القومي الأمازيغي هي انه مشروع مقاوم، مقاوم للاحتلال الاجنبي واثاره شرقا وغربا، وللاختلال الداخلي وتداعياته، وذلك تجسيداً لحقيقة عززتها كل تجارب النهوض والتحرر كتعبير عن تلازم الاحتلال الخارجي بكل أشكاله والاختلال الداخلي بكل عناوينه، فالمقاومة وحدها تحمي مشاريع التحرر، تماماً مثلما يسلح فكرُ النهوضِ والوحدة بأفعل أسلحتها وأكثرها قدرة على فتح أوسع الآفاق أمامها. وإذا كان مشروع النهوض في الأمة الأمازيغية هو مشروع متكامل لا يقف عند جانب من جوانب الحياة الأمازيغية بل يسعى إلى التصدي لها جميعاً، فالفعل بدون فكر أعمى لا بد ان يصطدم بالحائط المسدود والفكر بدون فعل عقيم وعاجز عن التطور ولا بد ان يصبح خارج اهتمام الناس ووجدانهم. لقد بات أعداء الأمة الأمازيغية الشمال افريقية يدركون أن كسر شوكة الأمة الامازيغية لا يتم إلا عبر كسر إرادتها، وكسر إرادتها لا يمكن أن يتم دون استباحة المخزون الثقافي والحضاري والروحي للأمة الأمازيغية والمجتمع الامازيغي العريق.
التأكيد على فكرة التراكم في المشروع القومي التحرري الامازيغي، فالوحدة تتحقق بقدر ما يتم التمهيد لها بإجراءات وحدوية متراكمة، وكذلك الثقافة، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني، والتجدد الحضاري، بل إن التراكم يسقط عيباً شائعاً في حياتنا الأمازيغية وهو أن الكثيرين من مناضلي الامازيغية يعتبرون أن الحياة بدأت معهم، وربما تنتهي معهم، متناسين ما سبق من انجازات، وما لحق، ومتجاهلين أن نهضة الشعوب ناهيك عن وحدتها، هي نتاج فعل تراكمي طويل. إن تلاقي القوى الحية في الأمة الأمازيغية حول هذه المبادرات والعمل على تحقيقها، وهو ليس بالأمر المستحيل، من شأنه أن يشكل لبنة أساسية في صرح المشروع القومي الوحدوي الامازيغي في شمال افريقيا، وأن يخرج الاهتمامات الغارقة في التفاصيل المحلية والجزئيات الجهوية، وأحياناً في الاحتراب الاهلي القبلي، الى آفاق الرؤى القومية والتطلعات التحررية وبالتالي الارتقاء بالامازيغية من امازيغية المفعول به الى امازيغية الفاعل ومن امازيغية الهامش التراثي والمطلب الحقوقي والتبعية الايديولوجية الى امازيغية المشروع المجتمعي البديل سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا.
التأكيد على ربط المشروع القومي الأمازيغي العام على مستوى الأمة، برؤى وبرامج تفصيلية على المستوى القطري تتحدد وجهتها أولاً من خلال اهتمامها بالحياة اليومية للمواطنين وتقديم حلول للمشكلات التي تواجهها، ثانياً من خلال ربط هذه البرامج داخل الدولة القطرية بآفاق مفتوحة على المشروع القومي الأمازيغي الشمال افريقي في ظل معادلة بسيطة : أن لا تشغلنا الهموم المحلية عن المهام القومية الأمازيغية وان لا تبعدنا المهام القومية الأمازيغية عن هموم الناس اليومية.
لا بد من التوقف ملياً أمام ما انتاب العلاقة بين الإسلام والأمازيغية من مفاهيم متوترة، ومهتزة، وملتبسة، نتيجة اجتهادات متعددة، ومصالح متناقضة، واستخدامات سياسية مشبوهة ضد الأمازيغية. ولقد صورت المجابهة بين بعض الحركات والأنظمة العلمانية منها والإسلامية بأنها صدام بين الأمازيغية والإسلام، فيما يكشف لنا التأمل الدقيق أنها كانت صراعات سياسية وسلطوية صريحة لم ينج منها النشطاء الأمازيغ العلمانيون أنفسهم، كما لم ينج منها أيضاً الإسلاميون ... والأمثلة على ذلك كثيرة. لقد أثبتت التطورات ان الحركات الاسلامية غير المحصنة بالأمازيغية في شمال افريقيا هوية الأرض تتحوّل بسرعة الى حركات عروبية تعريبية منفذة لاجندات القومية العربية، فيما الحركات العلمانية غير المحصنة بالاسلام والرسالات السماوية تتحول الى حركات فاشية وعنصرية لانها تفقد تلك الصلة التي تتيح للامة الأمازيغية ان تتواصل وتتفاعل صلب تركيباتها المجتمعية والاجتماعية والثقافية الحية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق